سيد قطب

3570

في ظلال القرآن

من ذلك الهواء النقي الخالص العطر ويستروح شذاه ! ثم يعود إلى مشاغل العيش مع ذكر اللّه : « فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ، وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ، وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » . . وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الإسلامي . التوازن بين مقتضيات الحياة في الأرض ، من عمل وكد ونشاط وكسب . وبين عزلة الروح فترة عن هذا الجو وانقطاع القلب وتجرده للذكر . وهي ضرورة لحياة القلب لا يصلح بدونها للاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الأمانة الكبرى . وذكر اللّه لا بد منه في أثناء ابتغاء المعاش ، والشعور باللّه فيه هو الذي يحول نشاط المعاش إلى عبادة . ولكنه - مع هذا - لا بد من فترة للذكر الخالص ، والانقطاع الكامل ، والتجرد الممحض . كما توحي هاتان الآيتان . وكان عراك بن مالك - رضي اللّه عنه - إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : « اللهم إني أجبت دعوتك ، وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني . فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين » . . ( رواه ابن أبي حاتم ) . . وهذه الصورة تمثل لنا كيف كان يأخذ الأمر جدا ، في بساطة تامة ، فهو أمر للتنفيذ فور سماعه بحرفيته وبحقيقته كذلك ! ولعل هذا الإدراك الجاد الصريح البسيط هو الذي ارتقى بتلك المجموعة إلى مستواها الذي بلغت إليه ، مع كل ما كان فيها من جواذب الجاهلية . مما تصوره الآية الأخيرة في السورة : « وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً . قُلْ : ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ . وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » . . عن جابر - رضي اللّه عنه - قال : « بينا نحن نصلي مع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما ، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى - اللّه عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، منهم أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما . فنزلت : « وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما » « 1 » . . وفي الآية تلويح لهم بما عند اللّه وأنه خير من اللهو ومن التجارة . وتذكير لهم بأن الرزق من عند اللّه « واللّه خير الرازقين » . . وهذا الحادث كما أسلفنا يكشف عن مدى الجهد الذي بذل في التربية وبناء النفوس حتى انتهت إلى إنشاء تلك الجماعة الفريدة في التاريخ . ويمنح القائمين على دعوة اللّه في كل زمان رصيدا من الصبر على ما يجدونه من ضعف ونقص وتخلف وتعثر في الطريق . فهذه هي النفس البشرية بخيرها وشرها . وهي قابلة أن تصعد مراقي العقيدة والتطهر والتزكي بلا حدود ، مع الصبر والفهم والإدراك والثبات والمثابرة ، وعدم النكوص من منتصف الطريق . واللّه المستعان .

--> ( 1 ) رواه الشيخان والترمذي .